هل بدأت سياسة "أميركا أولاً" ببث الفرقة بين حلفاء واشنطن؟

نشر
آخر تحديث

استمع للمقال
Play

تبدو الولايات المتحدة معزولة بشكل متزايد في علاقاتها الجيوسياسية والتجارية العالمية، في ظل إعادة تقييم حلفائها لعلاقاتهم مع أكبر اقتصاد في العالم، بعد أن أشهر الرئيس دونالد ترامب شعار "أميركا أولاً" بوجه الحلفاء قبل الأعداء، ما دفعهم إلى النظر في إمكانية الانفراد بسياساتهم الخاصة بعيداً عن عاصمة القرار واشنطن.

شهد العام الجديد تحرك عدد من الدول والتكتلات الاقتصادية نحو إعادة ضبط العلاقات، وتوطيد الروابط التجارية، وإقامة شراكات تجارية، متجاهلةً بذلك الولايات المتحدة التي باتت أكثر عدائية وتقلباً. ومن بين هذه التحركات "الاتفاق المبدئي" بين الصين وكندا، والتقارب مع المملكة المتحدة، بالإضافة إلى اتفاقيات الاتحاد الأوروبي مع الهند ودول أميركا الجنوبية.


اقرأ أيضاً: هل وصلت العلاقات بين كندا والولايات المتحدة إلى حافة الهاوية ؟


تأتي هذه الاتفاقيات والمفاوضات بعد عام من تطبيق سياسة "أميركا أولًا" التجارية والخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الثانية، والتي شهدت فرض البيت الأبيض رسوم جمركية عقابية على الحلفاء والخصوم على حد سواء، بل وحتى تهديدات إقليمية، في محاولة منه لتأكيد هيمنته الاقتصادية والجيوسياسية.

لكن هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية، لا سيما مع سعي حلفاء الولايات المتحدة وشركائها إلى تنويع سياساتهم التجارية، وذلك لحماية أنفسهم من تقلبات ترامب.

إعادة تقييم المصالح

في هذا الإطار، قال داميان ما، مدير مركز كارنيغي الصين للأبحاث، وهو مركز أبحاث متخصص في شرق آسيا، لشبكة CNBC: "بالنظر إلى ما يحدث في الولايات المتحدة وسياستها الخارجية، والتي تم توضيحها في استراتيجية الأمن القومي الصادرة مؤخراً… فإن الدول المتوسطة الحجم بحاجة إلى إيجاد دورها الفعال وابتكار مناهج مختلفة".

وفقاً لذلك، اشار إلى أن هذه الدول "ستتجه نحو التوافق بناءً على مصالح محددة ومنتقاة، بدلاً من توافق شامل قائم على القيم"، مشيراً إلى أن هذا لا يُعد عودة إلى عقلية الحرب الباردة المنقسمة القائمة على تكتلات القوى المتنافسة، بل هو أقرب إلى "إعادة تقييم" للمصالح الوطنية.

وأضاف: "لا أحد يعلم إلى أين ستؤول هذه الإعادة التقييم وهذا التوازن الجديد، لكننا نرى دولاً بدأت أخيراً في اتخاذ خطوات جادة. ولن تكون المملكة المتحدة وكندا الوحيدتين"، متوقعاً "موجة من الدول تعيد النظر في نهجها" تجاه القوى العظمى كالصين والولايات المتحدة.

الدبلوماسية في غياب ترامب

تسارعت وتيرة التوجه شرقاً مؤخراً، مع تزايد الجهود الدبلوماسية وإبرام اتفاقيات تجارية منذ بداية العام الجديد، دون مشاركة الولايات المتحدة أو الرئيس ترامب في أي منها.

وقد كانت الصين نشطة بشكل خاص، حيث زارها هذا الشهر كل من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن، ورئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوربو، بالإضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.


Thumbnail for 9a9a959eba.jpg

اقرأ أيضاً: فوضى العالم الجديد.. كيف تنجو القوى المتوسطة في عصر ترامب؟ (خاص CNBC عربية)


اتفقت الصين وكندا على خفض الحواجز التجارية مطلع يناير، ما أثار رد فعل غاضباً من ترامب، بينما كان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في بكين لإعادة ضبط العلاقات مع الرئيس شي جين بينغ، حيث اتفق الجانبان على خفض الحواجز أمام التجارة والسفر.

كما كان الاتحاد الأوروبي نشطاً، إذ أحرز تقدماً في اتفاقيته التجارية مع ميركوسور، فضلاً عن توقيع اتفاقية تجارة حرة طال انتظارها مع الهند الأسبوع الماضي.

جاءت هذه الاجتماعات عقب هجوم ترامب اللاذع على الحلفاء خلال خطابه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، والذي وجّه فيه إهانات وانتقد العديد من القادة، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكارني.

علاقات عند حافة الهاوية

العلاقات بين واشنطن وحلفائها عند منحنى خطير، كما صرحت خيمينا بلانكو، كبيرة المحللين في شركة "فيريسك مابلكروفت" المتخصصة في تحليل المخاطر، لشبكة CNBC، مشيرةً إلى وجود تدهور ملحوظ في أسلوب تواصل الولايات المتحدة مع حلفائها.

وقالت: "تُظهر بياناتنا التي تقيس التوترات الكلامية بين الدول تدهوراً في علاقات الولايات المتحدة مع بعض حلفائها الرئيسيين خلال العام الماضي".

سُجلت أعلى مستويات التوتر مع كندا والدنمارك وبلجيكا واليابان وأيرلندا ونيوزيلندا وفرنسا، مما يعكس تأثير المناوشات العلنية المتوترة بين المسؤولين الأميركيين ونظرائهم في الدول الحليفة، وفق بلانكو.

لكن بلانكو أشارت إلى أن حلفاء الولايات المتحدة يميلون إلى الاستجابة لتحولات سياسات واشنطن بتنويع استثماراتهم الاقتصادية، بدلاً من التراجع عن اندماجهم في النظام التجاري العالمي.

وأضافت: "لا يستطيع الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وأستراليا والمملكة المتحدة التخلي عن علاقاتهم مع الولايات المتحدة، بل يسعون بدلاً من ذلك إلى توسيع تجارتهم مع الأسواق الناشئة الكبرى، وكذلك فيما بينهم"، معتبرةً الأسواق الناشئة "الرابح الأكبر" من هذا التنويع.

فترة عصيبة

يصف المحللون هذه الفترة من العلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة بأنها فترة عصيبة وليست سبباً للانفصال، ويقولون إن حلفاء الولايات المتحدة ليس أمامهم خيار سوى محاولة الحفاظ على علاقات جيدة معها، مع استكشاف سبل أخرى للتجارة والتعاون.

وقال إيفان كراستيف، رئيس مركز الاستراتيجيات الليبرالية في صوفيا، بلغاريا، في تقرير صادر عن غولدمان ساكس في وقت سابق من هذا الأسبوع: "أوروبا تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، ليس فقط في أمنها، بل أيضاً في المجالين التكنولوجي والاقتصادي، لدرجة أنها لا تفضل الانفصال عنها اليوم".

وأشار إلى أنه "بالنسبة لأوروبا، ورغم كثرة الحديث عن البحث عن حلفاء جدد، فإن التحالف مع الآخرين لن يكون عملية سريعة أو سهلة"، مضيفاً: "بدلاً من ذلك، ستركز أوروبا على إظهار أهميتها للولايات المتحدة".


اقرأ أيضاً: العملية الأميركية في فنزويلا وأسعار النفط.. ما هي التداعيات المحتملة؟ (خاص CNBC عربية)


وافق جوزيف باركس، كبير المحللين في شركة فيريسك مابلكروفت، على أن الولايات المتحدة أكبر من أن تُعزل، قائلاً لشبكة CNB: "إنها ببساطة بالغة الأهمية من منظور التكنولوجيا والتجارة والعملة والأمن".

ومع ذلك، أشار إلى أن الحلفاء الرئيسيين سيسعون إلى إعادة التوازن لعلاقاتهم العالمية في المجالات الاستراتيجية على المدى الطويل.

تكتلات جديدة

إعادة التوازن قد تؤدي إلى بروز تكتلات جديدة، وفق باركس الذي قال: "ستتغير طبيعة العولمة. وسيؤدي تفتت التجارة إلى ظهور تكتلات جديدة ومختلفة من الدول تسعى إلى تعزيز مرونتها الاقتصادية"، مؤكداً على أهمية "المرونة الجيوسياسية" المتزايدة للشركات للتغلب على بيئة أعمال أكثر غموضاً.

وأشار إلى أن "التقلبات الأخيرة قد سرّعت التحول من نظام "التوريد في الوقت المناسب" إلى نظام "التوريد الاحتياطي" لتعزيز سلاسل التوريد"، حيث تتجه الشركات إلى "التوريد من مصادر قريبة" و"التوريد من شركاء موثوقين" للحصول على المواد من حلفاء موثوقين.

وفي الوقت نفسه، قال باركس إن الحكومات ستسعى إلى "توسيع الاتفاقيات التجارية لبناء مرونة استراتيجية وتقليل الاعتماد على السوق وسلسلة التوريد على أي دولة معينة".

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة